السيد محمد حسين فضل الله

329

من وحي القرآن

الثقة باللَّه في أجواء الغيب في ما لا يستطيعون ، وذلك هو معنى التوكل في شخصية المؤمن ؛ حركة في الفكر والإرادة في نطاق الإمكانات ، وثقة باللَّه في عمليّة استسلام لإرادته وقدرته في نطاق الغيب . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ بما تجسّده من خضوع للَّه ، واعتراف بالعبودية له في جميع مظاهرها وأشكالها . . . وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ بما يمثله الإنفاق من روحية العطاء في امتداده في حياة الناس ، وتأكيده على الشخصية الإنسانية التي لا تعيش الشعور بالذاتية في ما تملكه من طاقات ، بل تحسّ بالمشاركة للآخرين في ذلك كله ، لأنه رزق اللَّه الذي أراد لعباده أن لا يحتكروه لأنفسهم ، في ما اقتضت حكمته من توزيع أرزاق عباده ، على أساس أن يكون رزق بعضهم في يد البعض الآخر ، مما يجعل من قضية العطاء حالة تبادليّة ، فلكلّ شخص طاقة يعطيها للآخرين ، وللآخرين طاقات يمنحونها له . . . وهكذا كانت حركة المجتمع في شخصية الفرد ، في اتجاه حركة الفرد في شخصية المجتمع ، في تفاعل وتعاون وعطاء . . . وربما كان اختيار هذه الصفات في الحديث عن المؤمنين ، لأنها تمثل العناصر البارزة في حركة الإيمان في الداخل ، في هذا الخوف الدائم من اللَّه ، وفي هذا النمو الحي للإيمان في أجواء المعرفة ، وفي هذه الثقة المطلقة باللَّه أمام المجهول في ما توحي به من وعي للمسؤولية والانضباط أمام روحية الخوف ، ومن تطلع دائم إلى المعرفة كأساس لتنمية الإيمان ، ومن شجاعة وجرأة أمام تحديات المجهول ، كما أنها تمثل حركة الإيمان في العبادة في الصلاة ، من حيث هي المظهر الحي للاعتراف بالعبودية للَّه ، التي هي أساس الحرية في شخصية الإنسان أمام الآخرين ، وفي الإنفاق من حيث هو الامتداد الإنساني في حياة الآخرين ، في ما يملك من مال وعلم وجاه وطاقة حيّة متحركة في خط الواقع ، ليكون ذلك كله أساسا للتطور والنموّ في شخصية الإنسان المسلم في الجوانب الأخرى ، التي يتكامل بها الإنسان ، وتتقدم